محمود توفيق محمد سعد
273
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
البيان القرآنيّ قائم على أصلين عظيمين أشرت إليهما من قبل ، وأثنّي الإشارة إليهما تقريرا وتوطيدا : * تصاعد المعاني في السياق القرآنيّ * التصريف البياني لأصول معاني الهدي في القرآن الكريم هذان الأصلان حاضران في البيان القرآنيّ حضورا لا تغيب أو تغيم شواهده الباهرة القاهرة والأصل الثاني ( التصريف البيانيّ ) قد لقي بعض حقه من كثير من العلماء وصنّفت فيه أسفار ، وقد عرف عند أهل العلم ب " متشابه النّظم " والحقّ أنّ " التصريف البيانيّ " عندي أوسع مجالا من " متشابه النظم " : متشابه النظم أذهب إلى أنّه يجدر به أن يكون مصطلحا لما تشابه من البيان في علاقاته النظمية من تقديم وتأخير وفصل ووصل وذكر وحذف في بناء الجملة أو الآية أو المعقد أو السورة أي التشابه الذي مناطه السمات النّظمية التي هي علاقات نحوية بين معاني الكلم في بناء الجملة ( النظم النحوي : التركيبي ) ، والذي مناطه السمات النظمية التي هي علاقات سياقية بين معاني الجمل في بناء الآية أو بين معاني الآيات في بناء المعقد أو معاني المعاقد في بناء السورة . . . ( النظم السياقي : الترتيبيّ ) . والتصريف البيانيّ يشمل هذا مضموما إلى التشابه الذي مرده اختيار كلمة مكان أخرى ( انفجرت : انبجست ) ( قضى : كتب ) ( حلف : أقسم ) ( خاف : خشي ) ( سنة : عام ) ( زوج : امرأة ) ( أنزل : نزّل ) ( نجّى : أنجى ) . . . . إلخ ما هو معروف عند العلماء بالتصريف في اختيار الكلمات وصيغها البقاعيّ ذو عناية بالغة بليغة بتدبير هذا الضرب من التصريف البيانيّ ( متشابه النظم ) ملتزما بمنهج النظر فيما يقتضيه السياق والقصد ، وهو في هذا جدير بأن تفرد له دراسة خاصة ، وأن يوزان بين منهاجه في هذا ومنهاج " أبي جعفر بن الزبير " في ( ملاك التأويل ) أو " الكرماني " في ( البرهان ) أو " الإسكافي " في ( درّة التنزيل ) . ومن هذا الباب ما جاء عن البقاعي في تأويل قول اللّه سبحانه وتعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( البقرة : 7 ) وقول اللّه عزّ وجلّ : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( الجاثية : 23 )